كثيرا ما يجري تصوير المأزق الديمقراطي في العالم العربي على انه تحصيل حاصل للقطيعة بين الدولة و الشعب, و لانفراد الدولة بتقرير مصائر الشعب بدون ان يكون للشعب اية قدرة مقابلة على التحكم بمقاليد الدولة, و في ضوء هذا التحليل ذي المنزع الشعبوي, فان المأزق الديمقراطي هو نتيجة شبه الية لطغيان حضور الدولة و غياب أو بالأحرى – تغييب- السؤدد الذاتي للمجتمع المدني في معظم أقطار العالم العربي.
و بدون ان نماري في ضعف المجتمع المدني العربي و طراوة عوده و ضيق هامش استقلالية المنظمات الناطقة باسمه و محدودية فاعليتها, فإننا نعتقد ان مرد المأزق الديمقراطي في العالم العربي ليس الى قوة حضور الدولة, بل على العكس – و مهما بدت المفارقة قوية – الى استضعافها و تغييبها. ففي توصيفنا لواقع الديكتاتوريات العربية, نميل الى ان تعكس المعادلة و الى ان تتحدث, لا عن عدوان الدولة على المجتمع المدني, بل عن عدوان السلطة على الدولة, و إعاقتها إياها عن أداء دورها كعامل منظم و معقلن للاجتماع البشري, فالازدواجية الخانقة للديمقراطية في غالبية المجتمعات هي ازدواجية السلطة و الدولة اللتين كان يفترض بهما, حسب توصيف ماكس فيبر, ان تؤلفا – تماما كالزواج المسيحي او الإسلامي- "جسدا واحدا – نفس واحدة" فالوظيفة الأولى للدولة, عند عالم الاجتماع الألماني المشهور, ان تمثل القوة التي تحتكر ممارسة العنف الشرعي في المجتمع, و الحال ان السلطة في الأنظمة الديكتاتورية العربية تكسر احتقار الدولة هذا العنف الشرعي, و تاذن لنفسها ان تمارس العنف لا ضد المجتمع المدني وحده, بل ضد الدولة نفسها إذا اقتضت الضرورة, و هذا بعد تعرية العنف نفسه من ورقة توته الشرعية. ولعلنا نستطيع التمثيل على ازدواجية الدولة و السلطة هذه في الأنظمة الديكتاتورية العربية, بإشكالية "الشرطي و رجل المباحث". فالمأزق الديمقراطي العربي يتمثل في ان الشرطي مجرد من سلاحه أمام رجل المباحث, و في ان مراكز الشرطة واطئة السقف أمام أقبية الاستخبارات, وفي ان العنف الشرعي لما فوق الارض مصادر او مكفوف عن الاشتغال لمصلحة العنف اللاشرعي لما تحت الأرض. لهذا, و على النقيض من الأطروحات الديمقراطية و الشعبوية لبعض المحللين المعاصرين, نعتقد انه ليس من مخرج اخر من المأزق الديمقراطي العربي سوى رد الاعتبار الى الدولة نفسها و سلطة القانون و مبدا العنف الشرعي. و لهذا لا يكفي ان نقول مع القائلين – و ما أكثرهم..- ان لا ديمقراطية مع رجل المباحث, وبل لا بد ان نضيف مع القائلين – و ما اقلهم في زمن الأطروحات الشعبوية في الساحة الثقافية العربية .. – انه لا ديمقراطية أيضا بدون رجل الشرطة. فالمجتمع المدني نفسه – هذا إن وجد أصلا – سيرتد إلى غاب فيما لو غابت الدولة.
خلاصة القول اذن لا بد من عملية رسكلة و إعادة التفكير و مراجعة دور رجل الشرطة و رجل المباحث ليعود الاعتبار للدولة و سلطة القانون لا غير و ليتحول العنف الشرعي لما فوق الأرض إلى أداة لتحقيق هذا و أن ينتهي العنف اللاشرعي لما تحت الأرض.
مودتي - حاتم
