jeudi 26 mai 2011

إشكاليات الديمقراطية في العالم العربي -4- إشكالية الشرطي و رجل المباحث:

كثيرا ما يجري تصوير المأزق الديمقراطي في العالم العربي على انه تحصيل حاصل للقطيعة بين الدولة و الشعب, و لانفراد الدولة بتقرير مصائر الشعب بدون ان يكون للشعب اية قدرة مقابلة على التحكم بمقاليد الدولة, و في ضوء هذا التحليل ذي المنزع الشعبوي, فان المأزق الديمقراطي هو نتيجة شبه الية لطغيان حضور الدولة و غياب أو بالأحرى – تغييب- السؤدد الذاتي للمجتمع المدني في معظم أقطار العالم العربي.

و بدون ان نماري في ضعف المجتمع المدني العربي و طراوة عوده و ضيق هامش استقلالية المنظمات الناطقة باسمه و محدودية فاعليتها, فإننا نعتقد ان مرد المأزق الديمقراطي في العالم العربي ليس الى قوة حضور الدولة, بل على العكس – و مهما بدت المفارقة قوية – الى استضعافها و تغييبها. ففي توصيفنا لواقع الديكتاتوريات العربية, نميل الى ان تعكس المعادلة و الى ان تتحدث, لا عن عدوان الدولة على المجتمع المدني, بل عن عدوان السلطة على الدولة, و إعاقتها إياها عن أداء دورها كعامل منظم و معقلن للاجتماع البشري, فالازدواجية الخانقة للديمقراطية في غالبية المجتمعات هي ازدواجية السلطة و الدولة اللتين كان يفترض بهما, حسب توصيف ماكس فيبر, ان تؤلفا – تماما كالزواج المسيحي او الإسلامي- "جسدا واحدا – نفس واحدة" فالوظيفة الأولى للدولة, عند عالم الاجتماع الألماني المشهور, ان تمثل القوة التي تحتكر ممارسة العنف الشرعي في المجتمع, و الحال ان السلطة في الأنظمة الديكتاتورية العربية تكسر احتقار الدولة هذا العنف الشرعي, و تاذن لنفسها ان تمارس العنف لا ضد المجتمع المدني وحده, بل ضد الدولة نفسها إذا اقتضت الضرورة, و هذا بعد تعرية العنف نفسه من ورقة توته الشرعية. ولعلنا نستطيع التمثيل على ازدواجية الدولة و السلطة هذه في الأنظمة الديكتاتورية العربية, بإشكالية "الشرطي و رجل المباحث". فالمأزق الديمقراطي العربي يتمثل في ان الشرطي مجرد من سلاحه أمام رجل المباحث, و في ان مراكز الشرطة واطئة السقف أمام أقبية الاستخبارات, وفي ان العنف الشرعي لما فوق الارض مصادر او مكفوف عن الاشتغال لمصلحة العنف اللاشرعي لما تحت الأرض. لهذا, و على النقيض من الأطروحات الديمقراطية و الشعبوية لبعض المحللين المعاصرين, نعتقد انه ليس من مخرج اخر من المأزق الديمقراطي العربي سوى رد الاعتبار الى الدولة نفسها و سلطة القانون و مبدا العنف الشرعي. و لهذا لا يكفي ان نقول مع القائلين – و ما أكثرهم..- ان لا ديمقراطية مع رجل المباحث, وبل لا بد ان نضيف مع القائلين – و ما اقلهم في زمن الأطروحات الشعبوية في الساحة الثقافية العربية .. – انه لا ديمقراطية أيضا بدون رجل الشرطة. فالمجتمع المدني نفسه – هذا إن وجد أصلا – سيرتد إلى غاب فيما لو غابت الدولة.

خلاصة القول اذن لا بد من عملية رسكلة و إعادة التفكير و مراجعة دور رجل الشرطة و رجل المباحث ليعود الاعتبار للدولة و سلطة القانون لا غير و ليتحول العنف الشرعي لما فوق الأرض إلى أداة لتحقيق هذا و أن ينتهي العنف اللاشرعي لما تحت الأرض.

مودتي - حاتم

lundi 23 mai 2011

إشكاليات الديمقراطية في العالم العربي -3- : إشكالية مفتاح المفتاح

قبل ان تكون الديمقراطية مفتاح لجميع الأبواب الأخرى, فإنما هي نفسها في حاجة الى مفتاح, و لعل بابها لا ينفتح الا بعد ان تنفتح جميع الأبواب الأخرى- او بالتواقت معها على الأقل. و هذا التأكيد على مشروطية الديمقراطية لا يلغي دورها الفاعل كشرط من شروط الاقلاع, و لكنه يلغي توظيفها كمفتاح سحري لتحقيق النقلة الفجائية من واقع التأخر الى مثال التقدم, و بدون ان نخوض في جميع اوجه مشروطية الديمقراطية, نتوقف عند واحد منها يبدو لنا انه الاكثر غيابا عن الوعي العربي, و نعني به شرط الحامل الاجتماعي للديمقراطية.

فرغم الأصول اليونانية للاسم و لبعض آليات الممارسة, فان الديمقراطية – ونعني حصرا الديمقراطية التمثيلية- هي من اختراع الحداثة, ز من اختراع الطبقة الصانعة للحداثة,

اي البورجوازية. و بدون ان ندعي إجراء حصر للتجارب التاريخية, نستطيع ان نقول في شبه يقين ان الديمقراطية, و ان لم تتواجد حيثما تواجدت البورجوازية, فنها تغيب حيثما غابت. و نحن هنا بإزاء قانون, ان لم يكن بالمعنى الطبيعي, فبكل تأكيد بالمعنى التاريخي. و من خلال استعراض الأمثلة التاريخية لتجارب الاشتراكية السوفيتية و العالمثالثية, لنا ان نحكم بان جميع المحاولات لبناء ديمقراطية في ظل تغييب البورجوازية قد باءت بالفشل. و بما ان الماركسية هي صاحبة اليد الطولي في إفقاد البورجوازية اعتبارها التاريخي, فلنستعن اذا بالمعجم الماركسي لنقول ان البورجوازية هي الحامل الطبيعي للديمقراطية, و بانعدامه تنعدم. و على هذا المستوى تحديدا, ينبغي ان نبحث عن سر المأزق الديمقراطي في العالم العربي. فبراعم الديمقراطية عرفت تفتحا غداة الاستقلاليات الوطنية العربية يوم كانت البورجوازية, البرعمية هي الأخرى, لا تزال فاعلة تاريخيا. و لكن سلسلة الثورات الوطنية و الانقلابات العسكرية الومية و اليسارية التي عمت معظم الأقطار العربية حفرت بضربة معول واحدة قبر الديمقراطية و قبر البورجوازية معا. و حتى بعد ان انكشفت عورات الأنظمة و الانقلابات و ثبت عجزها التام عن ردم هوة الفوات الحضاري – وهو الوعد التي أقامت عليه مشروعيتها- فان إيديولوجيا عداء البورجوازية لا تزال هي السائدة في أوساط الديمقراطيين العرب الجدد الذين عادوا يكتشفون فضيلة الديمقراطية بعد خيبة الامل المريرة بالثورات و الإيديولوجيات الثورة الحارقة للمراحل, و تحديدا منها المرحلة البورجوازية الديمقراطية, و لسنا نتجاهل هنا كل النقد و الهجاء الإيديولوجيين اللذين طالا البورجوازية العربية لتبرير إخراجها من مسرح التاريخ. و قد لا تماري حتى في صحة توصيفها بأنها بورجوازية خرعة, مقاولة, تابعة, منحدرة من صلب الإقطاع و غير قاطعة معه بموجب النموذج المتوهم عن البورجوازية الأوروبية, و لكن مع ذلك كله فإننا لا نتحرج من التأكيد بانه بدون هذه البورجوازية – على علاتها- ليس لعنقاء الديمقراطية ان تنبعث من رمادها في المجتمعات العربية التي أحرقت فيها مرحلتها. و ما لم يرد الى البورجوازية اعتبارها الإيديولوجي كحامل اجتماعي للديمقراطية, و ما لم يوضع حصانها من جديد أمام عربة الديمقراطية, فان عجلات هذه العربة ستظل تدور حول محور من الفراغ, و سيظل المأزق الديمقراطي يعيد إنتاج نفسه الى ما لا نهاية في المجتمعات العربية المعنية.

بل قد نستطيع الذهاب الى ابعد من ذلك لنقول ان المجتمعات العربية تدفع اليوم غالبا ثمن تغييب البورجوازية و إفقادها اعتبارها الإيديولوجي, ليس فقط على شكل أنظمة سلطوية فوقية تنزع إلى تأييد نفسها في "جمهوريات وراثية" بل كذلك على شكل حركات شعبية تحتية, واعدة او منذرة بشموليات من نوع جديد و اكثر جذرية بما لا يقاس في القطع مع الديمقراطية و قيم الحداثة. ففي ظل غياب البديل البورجوازي, فان المعارضة الشعبية للديكتاتوريات القائمة لا بد أن تأخذ شكل صعود محتوم لمد الأصولية, و لاسيما في الشروط العينية للعالم العربية الذي يتحكم في مقاديره, منذ لا يقل عن ثلاثة عقود, التوظيف الإيديولوجي و الثقافي للدولارات النفطية لصالح الأصولية الإسلامية.

مودتي الخالصة.

حاتم - تونس