قبل ان تكون الديمقراطية مفتاح لجميع الأبواب الأخرى, فإنما هي نفسها في حاجة الى مفتاح, و لعل بابها لا ينفتح الا بعد ان تنفتح جميع الأبواب الأخرى- او بالتواقت معها على الأقل. و هذا التأكيد على مشروطية الديمقراطية لا يلغي دورها الفاعل كشرط من شروط الاقلاع, و لكنه يلغي توظيفها كمفتاح سحري لتحقيق النقلة الفجائية من واقع التأخر الى مثال التقدم, و بدون ان نخوض في جميع اوجه مشروطية الديمقراطية, نتوقف عند واحد منها يبدو لنا انه الاكثر غيابا عن الوعي العربي, و نعني به شرط الحامل الاجتماعي للديمقراطية.
فرغم الأصول اليونانية للاسم و لبعض آليات الممارسة, فان الديمقراطية – ونعني حصرا الديمقراطية التمثيلية- هي من اختراع الحداثة, ز من اختراع الطبقة الصانعة للحداثة,
اي البورجوازية. و بدون ان ندعي إجراء حصر للتجارب التاريخية, نستطيع ان نقول في شبه يقين ان الديمقراطية, و ان لم تتواجد حيثما تواجدت البورجوازية, فنها تغيب حيثما غابت. و نحن هنا بإزاء قانون, ان لم يكن بالمعنى الطبيعي, فبكل تأكيد بالمعنى التاريخي. و من خلال استعراض الأمثلة التاريخية لتجارب الاشتراكية السوفيتية و العالمثالثية, لنا ان نحكم بان جميع المحاولات لبناء ديمقراطية في ظل تغييب البورجوازية قد باءت بالفشل. و بما ان الماركسية هي صاحبة اليد الطولي في إفقاد البورجوازية اعتبارها التاريخي, فلنستعن اذا بالمعجم الماركسي لنقول ان البورجوازية هي الحامل الطبيعي للديمقراطية, و بانعدامه تنعدم. و على هذا المستوى تحديدا, ينبغي ان نبحث عن سر المأزق الديمقراطي في العالم العربي. فبراعم الديمقراطية عرفت تفتحا غداة الاستقلاليات الوطنية العربية يوم كانت البورجوازية, البرعمية هي الأخرى, لا تزال فاعلة تاريخيا. و لكن سلسلة الثورات الوطنية و الانقلابات العسكرية الومية و اليسارية التي عمت معظم الأقطار العربية حفرت بضربة معول واحدة قبر الديمقراطية و قبر البورجوازية معا. و حتى بعد ان انكشفت عورات الأنظمة و الانقلابات و ثبت عجزها التام عن ردم هوة الفوات الحضاري – وهو الوعد التي أقامت عليه مشروعيتها- فان إيديولوجيا عداء البورجوازية لا تزال هي السائدة في أوساط الديمقراطيين العرب الجدد الذين عادوا يكتشفون فضيلة الديمقراطية بعد خيبة الامل المريرة بالثورات و الإيديولوجيات الثورة الحارقة للمراحل, و تحديدا منها المرحلة البورجوازية الديمقراطية, و لسنا نتجاهل هنا كل النقد و الهجاء الإيديولوجيين اللذين طالا البورجوازية العربية لتبرير إخراجها من مسرح التاريخ. و قد لا تماري حتى في صحة توصيفها بأنها بورجوازية خرعة, مقاولة, تابعة, منحدرة من صلب الإقطاع و غير قاطعة معه بموجب النموذج المتوهم عن البورجوازية الأوروبية, و لكن مع ذلك كله فإننا لا نتحرج من التأكيد بانه بدون هذه البورجوازية – على علاتها- ليس لعنقاء الديمقراطية ان تنبعث من رمادها في المجتمعات العربية التي أحرقت فيها مرحلتها. و ما لم يرد الى البورجوازية اعتبارها الإيديولوجي كحامل اجتماعي للديمقراطية, و ما لم يوضع حصانها من جديد أمام عربة الديمقراطية, فان عجلات هذه العربة ستظل تدور حول محور من الفراغ, و سيظل المأزق الديمقراطي يعيد إنتاج نفسه الى ما لا نهاية في المجتمعات العربية المعنية.
بل قد نستطيع الذهاب الى ابعد من ذلك لنقول ان المجتمعات العربية تدفع اليوم غالبا ثمن تغييب البورجوازية و إفقادها اعتبارها الإيديولوجي, ليس فقط على شكل أنظمة سلطوية فوقية تنزع إلى تأييد نفسها في "جمهوريات وراثية" بل كذلك على شكل حركات شعبية تحتية, واعدة او منذرة بشموليات من نوع جديد و اكثر جذرية بما لا يقاس في القطع مع الديمقراطية و قيم الحداثة. ففي ظل غياب البديل البورجوازي, فان المعارضة الشعبية للديكتاتوريات القائمة لا بد أن تأخذ شكل صعود محتوم لمد الأصولية, و لاسيما في الشروط العينية للعالم العربية الذي يتحكم في مقاديره, منذ لا يقل عن ثلاثة عقود, التوظيف الإيديولوجي و الثقافي للدولارات النفطية لصالح الأصولية الإسلامية.
مودتي الخالصة.
حاتم - تونس
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire